محمد أبو زهرة
199
المعجزة الكبرى القرآن
الحسن ، وهل ترى الروعة التي كنت تراها ؟ فإن قلت : فما السبب في أنه كان « اشتعل » إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل ، ولم تأت بالمزية من الوجه الآخر فما وجه هذه البينونة ؟ إن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس - الذي هو أصل المعنى - الشمول ، وأنه قد شاع فيه ، وأخذه من كل نواحيه ، وأنه قد استقر به وعم جملته ، حتى لم يبق من السواد شئ ، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به ، وهذا ما لا يكون إذا قيل : اشتعل شيب الرأس ، أو الشيب في الرأس ، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة » . وقد أجاد عبد القاهر في بيان وجه البلاغة في الاستعارة مع أردافها من مجموع الكلام ، وإذا كانت هي في ذاتها ، تجمل القول ، فإن سر الإعجاز فيها ، وفي مجموع العبارات . وقد ضرب الإمام عبد القاهر مثلا آخر مقاربا لقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وهو قوله تعالى : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] فقال رضى اللّه تبارك وتعالى عنه في بيان أن التمييز بعد التعميم ولو من غير استعارة بلاغة معجزة . « ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً التفجير للعيون في المعنى واقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس ، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا ، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد صارت كلها عيونا وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها ، ولو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل ، وفجرنا عيون الأرض ، أو العيون في الأرض ، لم يفد ذلك ولم يدل عليه ، ولكن المفهوم منه أن الماء قد فار من عيون متفرقة في الأرض ، وانبجس من أماكن منها » . وهكذا يتبين من ذلك الكلام القيم أننا إن كنا قد ذكرنا التشبيه والمجاز والكناية فليس الإعجاز لها وحدها ، بل لها مع مجموع الألفاظ والأسلوب وتناسق العبارات ، فمن كل ذلك يتكون إعجاز الذكر الحكيم . الكنايات في القرآن 117 - قد تكلمنا في التشبيه والاستعارات ، وسائر أوجه المجاز بكلام مجمل ، واقتبسنا شواهد من القرآن ، وإن لم تكن كثيرة فإنها منيرة ، وإن لم يكن فيها استقراء ففيها غناء . ولكن لم نتعرض للكنايات في القرآن بقدر كاف إذ كانت الكنايات كما تدل عبارات اللغويين وعلماء البلاغة هي الدلالة على اللازم عادة أو عقلا بذكر الملزوم ، فكثرة الرماد كما مثلوا يلزمها كثرة الضيفان ، وطول النجاد يلزمه طول القامة ، فإن